-->

مدونة الأسرة المغربية بين الثابت والمتغير: قراءة في المرجعية الشرعية ومستقبل الإصلاح

مدونة الأسرة المغربية بين الثابت والمتغير في ضوء المرجعية الإسلامية والإصلاحات القانونية.

عبد اللطيف بومزوغ
طالب باحث
عضو وحدة الدراسات الإسلامية والإنسانية
هيئة الباحثين بمركز الصدى للدراسات والإعلام

الملخص:

تقوم  مدونة الأسرة المغربية على بِنية تشريعية تجمع بين الثّوابت الشرعية المستمدة من مقاصد الشريعة الاسلامية وخاصة وِفق اجتهادات المذهب المالكي، وبين المتغيرات التي تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، وتتمثل الثّوابت في الأحكام القطعية التي لا يدخلها الاجتهاد، مثل أحكام الميراث والزواج...، إذ تعتبر من بين الأحكام التي تحافظ على الهُوّية الدينية وتضمن استقرار الأسرة.

أمّا المتغيرات فهي الأحكام الاجتهادية التي تتبدّل بتبدُّل الأعراف والمصالح، مثل الحضانة، سنّ الزواج...، اللذان فسحت فيهما المدونة مجالا واسعا للاجتهاد بما يحقق المصلحة ويُواكب الواقع، هذا التوازن بين الثّابت والمتغير مكّن المدونة من أن تكون تشريعًا مرنًا، يحفظ المرجعية الاسلامية من جهة، ويستجيب لمتطلبات العصر من جهة أخرى، في إطار إصلاحية تُراعي مصلحة الأسرة والمجتمع.

الكلمات المفتاحية:

مدونة الأسرة – الثوابت الشرعية – المتغيرات التشريعية – المذهب المالكي – مقاصد الشريعة .

-       المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم الى يوم الدين.

أما بعد,

فإن الأسرة تعتبر اللبنة الأولى لتكوين المجتمع وتأسيسه، وهي النواة التي تنمو وتتفرع مشكلة أفراد تربطهم علاقة زواج ودم ومصاهرة، مؤسسين بذلك مجتمع صالح صلاحه من صلاح الأسر، وفسادها وتفككها ينعكس سلبا الأفراد والمجتمع، تشيع بذلك الفواحش والرذائل وتهضم الحقوق، ويظلم الأزواج، ويهمش الأبناء فينشؤون على الانحراف والانحلال الأخلاقي...، لذا أولى الاسلام مكانة هامة للأسرة واعتنى بها عناية شديدة وأعطاها قيمة فضلى، وذلك من خلال سن مجموعة من الأحكام الشرعية التي تبنى على تأسيس الأسرة تأسيسا سليما شرعيا، وتضبط علاقة أفرادها فيما بينهم إضافة إلى القوانين الوضعية التي تعتبر أحكاما متممة مكملة للأحكام الشرعية وموافقة لها في تنظيم وضبط مسائل الأسرة. وتعتبر مدونة الأسرة من القوانين الوضعية المعتمدة في المغرب لتنظيم العلاقات الأسرية، حيث أصدر أول قانون للأسرة سنة 1957 باسم مدونة الأحوال الشخصية التي شهدت مجموعة من التعديلات من جراء الانتقادات الموجهة إليها، وبهاته الأسباب بدلت بقانون رقم 03.70 المتعلق بمدونة الأسرة الحالية التي دخلت حيز التنفيذ بتاريخ 3 فبراير 2004م، المستمدة مصدرها من الفقه الاسلامي عموما والمذهب المالكي خصوصا، كما نصت بذلك المادة 400 والتي جاء فيها "كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، فيرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يرعى فيه تحقيق قيم الاسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف"[1].

-       هل استطاعت مدونة الأسرة الاستجابة لمتطلبات الأسرة المغربية في ظل الاشكالات المطروحة؟

-       هل أحكام ونصوص هذه المدونة ثابتة أو متغيرة؟

وللولوج إلى هذا الموضوع والإجابة عن إشكالاته، والإحاطة بأبرز جوانبه سنعمل على تقسيمه إلى المباحث الآتية:

Ø    المبحث الأول: السياق التاريخي لمدونة الأسرة.

Ø   المبحث الثاني: الإطار المفاهيمي.

Ø   المبحث الثالث: الثوابت في مدونة الأسرة.

Ø   المبحث الرابع: المتغيرات في مدونة الأسرة.

v   المبحث الأول: السياق التاريخي لمدونة الأسرة:

مدونة الأسرة هي مجموع القوانين التي تنظم العلاقات بين أفراد الأسرة، وتسهر على تحقيق تماسكها واستقرارها، وقد مرت بمحطات تاريخية مهمة قبل أن تستقر على صياغتها الحالية، فبدأت أول مراحلها عند تأسيس أول لجنة للأسرة في 19 غشت 1957م، لتتولى مهمة وضع إطار تشريعي لقانون الأسرة، والتي صدرت باسم مدونة الأحوال الشخصية بموجب ظهائر ملكية كان أولها في نونبر 1957م وآخرها في أبريل 1958م، حيث شهدت هذه المدونة مقترحات عدة لتعديلها، بحيث أخذت منحى آخر محفوفا بالنقاشات والأخذ والرد حول غياب الاجماع حول قضايا فقهية تضمنتها المدونة.

وفي 20 غشت 1992م، ألقى  الملك الراحل الحسن الثاني خطابا أصبح بموجبه قانون الأسرة المغربي من اختصاصه، وبتاريخ 10 شتنبر 1993م، أصدر المغرب مدونة جديدة، ولم تلق هذه المدونة استحسان الحركة النسائية والحقوقية التقدمية، التي لم تجد فيه ما تأمله،وعبّرت عن عدم رضاها وعن آمالها في مدونة أخرى قادرة على ضمان حقوق المرأة المغربية، ومئسسة على المساواة بين الجنسين وفق كونية حقوق الانسان إلى جانب المرجعية الدينية [2].

وبهذه الأسباب تم إصدار مدونة الأسرة الحالية محل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، وذلك سنة 2004م، وقد تميزت هذه المدونة بإدخال تغييرات كبيرة في قوانين الأسرة لتلائم وتواكب الاشكالات الراهنة التي تعرفها الأسرة المغربية.

وفي عام 2024م قدمت الحكومة المغربية مجموعة من المقترحات لتعديل مدونة الأسرة، وذلك بأمر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حسب الرسالة السامية التي وجهها إلى رئيس الحكومة بتاريخ 26 شتنبر 2023، لتشكيل هيئة خاصة للوقوف على مختلف الاختلالات التي أظهرها التطبيق القضائي، وتحديد المقترحات التعديلية في إطار مقاصد الشريعة الاسلامية وخصوصيات المجتمع المغربي.

v  المبحث الثاني: الإطار المفاهيمي.

انطلاقا من هذا المبحث سنقوم قدر الامكان بتفكيك العنوان وشرح مصطلحاته المكونة له: مدونة الأسرة – الثابت –  المتغير، حتى يتسنى لقارئنا فهم ما أردناه، ولا يستعصي عليه ما نحن بصدد تبيانه في هذا المقال.

ü   أولا: مدونة الأسرة.

مدونة الأسرة كلمتين متلازمتين في سياقها القانوني، والمدونة من دوّن، يدون، تدويناً، أي كتابة وتوثيقا.

والمدونة مجموعة الضوابط والأحكام الشرعية والقانونية التي تنظم علاقة أفراد الأسرة، وتحمي جميع حقوقهم، وتعتبر المدونةمن التشريع الذي يهدف إلى صيانة الأسرة وإقامة بيوتها على أسس متينة وقويمة، تضبط الزواج وما يترتب عنه، وتحفظ حقوق الأزواج وواجباتهم ما دام الزواج قائماً أو متى انحل بسبب من الأسباب [3].

والأسرة في اللغة – بالضم – عشيرة الرجل، ورهطه الأدنون، أهل بيته، وقيل: أقارب الرجل من قبل أبيه [4].

وتعتبر الأسرة اللبنة الأولى والنواة الأساسية لتكوين المجتمع، فلا يمكننا الحديث عن المجتمع دون ذكر الأسرة، سواء أكانت نواة أو ممتدة، والأسرة مجموعة أفراد تربطهم علاقة دم ومصاهرة وقرابة، يتعايشون فيما بينهم وفق ضوابط شرعية وأخرى قانونية اجتماعية...

وكذلك هي أحد مقومات الوجود الاجتماعي في المجتمع الانساني، ولذلك فهي نظام اجتماعي عالمي [5].

وعرفها عبد الهادي الجوهري: بأنها الوحدة الأساسية في التنظيم الاجتماعي، ومؤسسة من المؤسسات الاجتماعية ذات أهمية الكبرى، ففيها نبدأ حياتنا الأولى، ونتعود عليها، وهي تصنع أول خبراتنا، وفيها تتشكل شخصياتنا، وتتكيف مع الهيئات المتغيرة حولنا، وهي مصدر الأخلاق والدعامة الأولى لضبط السلوك، ويلقى فيها الكبار والصغار مصدر الرخاء [6].

وقد يتخذ تعريف الأسرة شكلا قانونيا، فيعرفها البعض بأنها تجمع قانوني لأفراد اتحدوا بروابط الزواج والقرابة أو بروابط التبني (Adoption)، وهم في الغالب يشاركون بعضهم بعضا في منزل واحد، ويتفاعلون معا، ويؤدي كل منهم دورا معينا [7].

وقد نص الدستور المغربي الحالي على أن: "الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع، وتعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها، كما تسعى الدولة لتوفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية [8].

ü   ثانيا: الثابت.

ثابت: جمع ثوابت من ثَبَتَ "أساس ثابت لا يتزعزع" راسخ متين، قال تعالى: » ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء «[9]، ثابت في موقفه لا يحيد عنه: راسخ، مُقيمٌ عليه لا يُغَيّرُهُ . "الثوابت والمتغيرات": ما يدوم ويرسخ ويَثْبُتُ غير قابل للتحول أو التغير، عكس المتغيرات وهو عارض [10].

والثابت في مدونة الأسرة هي تلك الأحكام الثابتة والمستمدة من نصوص دينية قطعية لا اجتهاد في تغيير مضامينها لأي سبب من الأسباب، ولا علاقة لها بتغَيُّر الزمان والمكان.

ü   ثالثا: المتغير.

غَيَّرَ الشيء: بدّل به غيره، يُقَال غيرت دابتي وغَيَّرْتُ ثيابي: جعله على غير ما كان عليه. (تغايرت) الأشياء: اخْتَلَفَتْ[11].

والمتغير في مدونة الأسرة هي كل الأحكام التشريعية التي يمكن تعديلها لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث يتم تكييفها لتلائم روح العصر ومبادئ المساواة والعدل، مع الاستناد إلى مقاصد الشريعة الاسلامية.

v  المبحث الثالث: الثوابت في مدونة الأسرة.

إن ثوابت مدونة الأسرة تتجلى في الأحكام الشرعية القطعية الصريحة التي لا تقبل أي تغيير ولا تبديل ومنها:

-       المرجعية الاسلامية: بحيث إنه تستند مدونة الأسرة إلى أحكام الشريعة الاسلامية، وخاصة الفقه المالكي، كما جاء في المادة 400 من المدونة: "كل ما لم يرد فيه نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الاسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف"[12].

وبسبب هذه المادة ظهرت فئة معارضة – حداثية – أرادت بكل الوسائل والطرق المتاحة إسقاط هذه المادة باعتبار أن أحكام الفقه الاسلامي لا تلائم واقع العصر الحالي، وهذا إلا افتراء وبهتان.

-       مسألة الإرث: يعتبر الإرث من الأحكام القطعية التي لا تقبل الاجتهاد في تغيير ملامح أحكامه في أي ظرف من الظروف، وهو ثابت بالقرآن والسنة.

فبالقرآن: يقول تعالى: »للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر، نصيبا مفروضا[13]  وقوله تعالى: » وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكن فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا . « [14] وقوله تعالى: »يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين...[15]. «  

أما بخصوص السنة النبوية فقد تناولت المواريث في عدة أحاديث منها:

ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته"[16]. وعن ىأبي الزناد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفس محمد بيده أن على الأرض من المؤمن إلا أنا أولى الناس به فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه وأيكم ترك مالا فإلى العصبة من كان"[17]. وما رواه الجماعة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر"[18].

إن هذه الأدلة الشرعية المتعلقة بالمواريث وخاصة مسألة التعصيب فقد أثارت جدلا واسعا بين عدد من المنظمات الحقوقية، وخاصة النسائية منها، التي اعتبرت هذا الحكم الشرعي انتقاصا  من حقوق المرأة ومساسا بمبدإ المساواة في الإرث، غير أن هذا الطرح – رغم ما يبدو عليه من دفاع عن المرأة – يتجاهل السياق التشريعي الكامل الذي جاءت فيه أحكام المواريث في الاسلام، ويتغافل عن المنظومة المتكاملة التي بني عليها هذا التوزيع.

فأدلة التعصيب ليست حكما معزولا، بل جزء من نظام دقيق يقوم على العدالة لا على المساواة الحسابية. فالإسلام حين جعل للذكر مثل حظ الانثيين في بعض الحالات، حمَّله في المقابل مسئوليات مالية واجتماعيى، لا تُكَلَّف بها المرأة أصلا مثل: النفقة، السكن، المهر، الرعاية، وتحمل أعباء الأسرة، وبالتالي فإن توزيع الإرث جاء منسجما مع طبيعة التكليف، لا مع مجرد النوع البيولوجي.

كما أن هذا الحكم ليس قاعدة عامة مطلقة، بل هو حكم في حالات محددة فقط، مثل إرث الأولاد. أما في بقية الحالات، فقد ترث النساء أكثر من الرجال أو تساويهم، أو ترث وحدها دون مشاركة أحد، وهذا التنوع التشريعي يُظهر أن المسألة ليست تفضيل جنس على آخر، بل مراعاة دقيقة للقرابة والواجبات والحقوق.

إن الاعتراضات التي تثار اليوم غالبا ما تُبنى على قراءة مبتورة للنصوص، أو على إسقاطات مستوردة من منظومات قانونية غربية تختلف كليا عن البنية الاجتماعية والاقتصادية التي يخاطبها الاسلام.

فالمطالبة بالمساواة المطلقة في الإرث دون النظر إلى منظومة النفقة والواجبات، ليست سوى نقل لجزء من النموذج الغربي دون بقية أركانه، مما يؤدي إلى خلل أكبر في التوازن الأسري والاجتماعي.

-       التعدد: إن التعدد من الأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى لِحِكَمٍ عميقة تتصل ببناء الأسرة واستقرار المجتمع، وهو تشريع أصيل جاء بنص قرآني صريح في قوله تعالى: » فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا واحدة...[19]  . « ومن خلال هذه الآية الكريمة يتبين أن الأصل هو التعدد، وأن القيد هو الافراد، فالتشريع لم يُفرض على أحد ولم يلزم به كل رجل، بل جعله الله خيارا مشروعا لمن احتاج إليه واستطاع الوفاء بشروطه الشرعية والقانونية.

إن ا اعتراضات التي تثُار اليوم حول التعدد، خصوصا من بعض المنظمات والجمعيات النسائية، أو من ذوات المواقف المسبقة من الزواج عموما، تقوم غالبا على تصورات خاطئة أو قراءات مبتورة للنصوص الشرعية، فالتعدد ليس خيانة، ولا نزوة، ولا حتى امتهانا لكرامة المرأة، بل هو نظام تشريعي منضبط وُضع لحماية الأسرة من الاختلالات، وللاستجابة لظروف اجتماعية وإنسانية قد تستدعيه مثل: كثرة النساء مقارنة بالرجال في بعض المجتمعات أو جلها، مرض الزوجة أو عجزها، رغبة الرجل في العفاف مع القدرة على الانفاق والعدل، احتياجات اجتماعية تتعلق بكفالة اليتيم والأرامل والمطلقات...  

إن القول بأن التعدد إهانة للمرأة يتجاهل حقيقة أن الاسلام رفع مكانة المرأة، وضمِن حقوقها المالية والقانونية الشرعية أولا، واشترط العدل الصارم بين الزوجات، وهو شرط لو تدبره المعترضون لعلموا أن الاسلام لم يفتح باب التعدد عبثا بل جعله مسئولية ثقيلة لا يقدم عليها إلا من كان قادراً على تحمُّلِها.

ثم إن التعدد ليس قاعدة مطلقة، بل هو حكم مشروط، فإذا خاف الرجل من عدم القدرة على العدل فالأصل حينها الاقتصار على واحدة، وهذا دليل على أن التشريع قائم على العدل والرحمة لا على التفضيل والتمييز.

إن الهجوم على حكم التعدد بدعوى المساواة هو في حقيقته إسقاط لمفاهيم غربية على منظومة تشريعية مختلفة تماما في فلسفتها وأهدافها، فالاسلام لا يبني أحكامه على المساواة الحسابية، بل على العدل الذي يراعي الفروق الطبيعية والوظيفية بين الجنسين، ويوازن بين الحقوق والواجبات. وبذلك يتبين أن التعدد ليس انتقاصا من المرأة، ولا تهديدا للأسرة، بل هو تشريع رباني يحقق مصلحة المجتمع، ويعالج مشكلات واقعية، ويُطَبَّق ضمن ضوابط دقيقة تضمن الكرامة والعدل والاستقرار.

-       الزواج الشرعي: جاء في مدونة الأسرة أن الزواج ميثاق تراض، وترابط شرعي بين الرجل والمرأة، على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة[20].

من خلال هذا التعريف أن الزواج الشرعي يكون بين رجل وامرأة تحت رابط شرعي كامل الأركان والشروط، كما لا يعترف بالعلاقات خارج إطار الزواج، يقول تعالى: »وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى... .«[21]  ويقول سبحانه وتعالى: »ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. « [22]

ومنه فإن الزواج ثابت بأدلة شرعية قاطعة وأخرى قانونية، لا يمكن تغييرها ولا الخوض فيها حتى تلائم أهواء بعض الناس من ذوي المواقف حول الزواج. كما يعتبر -  الزواج  -  الأساس لبناء الأسرة والتكاثر وحفظ الأنساب، وهذه الأخيرة لها أحكام ثابتة لأنها مبنية على قواعد شرعية قطعية لثبوت النسب والزواج واحد من هذه القواعد.

وفيما يخص هذا المبحث والمتعلق بالثوابت في مدونة الأسرة، فقد حرِصتُ على التركيز على هذه الأحكام سالفة الذكر لأنها أثارت نقاشا واسعا بين المتخصصين، وعدد من الهيئات الحقوقية والجمعيات النسائية، وقد انصب الجدل حول محاولات إعادة تأويل الأدلة الشرعية القطعية وتغيير صورتها بما يجعلها – في نظرهم – أكثر انسجاما مع أهوائهم ومتطلبات الواقع المعاصر.

 

 

v  المبحث الرابع: المتغيرات في مدونة الأسرة.

المتغيرات ويقصد بها تلك الأحكام التي يمكن تعديلها وفقا لتغير الواقع والمصلحة، ونذكر على سبيل المثال:

-       زواج القاصرين: ويقصد به زواج الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد سواء أكان ذكرا أو أنثى.

وجاء في المادة 19 من مدونة ا أسرة: تكتمل أهلية الزواج بإتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقلية ثمان عشرة سنة شمسية[23]. وأن هذا القرار قد يتغير وفق ضوابط قانونية واستثناءات اجتماعية وأسباب مبررة واقعية تجعل زواج القاصر ينعقد دون بلوغ سن الرشد القانوني والمحدد في 18 سنة شمسية كاملة، وجاءت المادة 20 من المدونة موضحة هذا المعطى، لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى أو الفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك...[24]. وفي نفس السياق "حدد زواج القاصرين في سن 18 سنة وفي حالات استثنائية في السن 17، مع تقييده بشروط تضمن بقائه عند التطبيق في دائرة الاستثناء يعني إذا تواجدت شروط صارمة لضمان الحماية"[25].

-       الحضانة: تعتبر الحضانة أثرا من آثار الزواج، وهي من حق الزوجين معا أثناء قيام العلاقة الزوجية، وغالبا ما يطرح إشكال الحضانة إلا عند انفصام العلاقة الزوجية نتيجة الطلاق أو التطليق.

ويقصد بالحضانة في اصطلاح الفقهاء: "تربية الطفل ورعايته والقيام بجميع شؤونه في سن معينة، من له الحق في ذلك من أقاربه المحارم[26].

وعرَّفتها مُدونة الأسرة من خلال المادة 163: الحضانة حفظ الولد ممّا قد يضرّه، والقيام بتربيّته ومصالحه[27].

وقد تناولتُ مصطلح الحضانة ضمن المفاهيم المتغيرة في مدونة الأسرة، لكونه يخضع لجملة من الضوابط الشرعية والقانونية، ويرتبط بطبيعة العلاقة الأسرية وما يطرأ عليها من تحوُّلات، ولذلك يُعدّ من الأحكام القابلة للتغيير والاجتهاد، وهو ما أقرَّه الشّرع ووافقه التّشريع المغربي.

ففي المذهب المالكي قالوا: "يستحق الحضانة أقارب الصغير من إناث وذكور على الترتيب الآتي، فأحق الناس به أمه، ثم أمها يعني جدته لأمه وإن علت، ثم الخالة الشقيقة...، تنتقل الحضانة الأب، ثم إلى

 

 الأخت، ثم إلى عمة الصغير أخت أبيه...[28].

وجاء في المادة 171 من المدونة: تخول الحضانة للأم، ثم للأب، ثم لأم الأم، فإن تعذر ذلك، فللمحكمة أن تقرر بناء على ما لديها من قرائن لصالح رعاية المحضون، إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية، مع جعل توفير الحاجات الضرورية المادية والمعنوية[29].

وانطلاقا مما قرره الشرع الاسلامي، وما استقر عليه المذهب المالكي، ووافقه التشريع المغربي، فإن أجكام الحضانة تتبدل بتبدل العلاقة الزوجية وما يترتب عنها من أوضاع وآثار، باعتبارها من المجالات التي يدخلها الاجتهاد والتنظيم القضائي وفق مصلحة الطفل والأسرة.

وفي إطار هذا المبحث ركزت على عنصرين أساسيين هما زواج القاصر والحضانة، لما شهداه من تغييرات جوهرية استهدفت مواكبة الواقع المعاصر ةتحقيق المصلحة الفضلى للأسرة والطفل.

v  الخاتمة:

يتبين من خلال دراسة الثوابت والمتغيرات في مدونة الأسرة أن المشرع المغربي نجح في بناء نموذج تشريعي متوازن، حافظ على المرجعية الاسلامية، وفتح باب الاجتهاد. فالمدونة ليست نصا قطعيا، بل مشروعا إصلاحيا قابلا للتطوير والتعديل، يستند إلى ثوابت شرعية راسخة، ويستوعب متغيرات الواقع وفق ضوابط مقاصدية وقانونية، ومع استمرار النقاش المجتمعي حول تعديل بعض أحكامها، يظل هذا التوازن هو الضامن الأساسي لحماية الأسرة المغربية، وصون كرامة أفرادها، وتحقيق العدالة بين مكوناتها.

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

 

ü   القرآن الكريم

ü   معجم الغني الزاهد، د: عبد الغني أبو العزم، مؤسسة الغني للنشر، مطابع دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى 2013م .

ü   معجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – جمهورية مصر العربية. طبعة منقحة 1433هـ. 2016م مكتبة الشروق الدولية.

ü   الصحاح تاج وصحاح العربية، اسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين، لبنان، الطبعة الثانية، بدون سنة النشر.

ü   فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، راجعه قصي محب الدين الخطيب، دار الريان، القاهرة، مصر، 1986م..  صحيح مسلم، للإمام ابن الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشري النيسابوري، راجعه: هيثم خليفة الطعيمي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 2002م.

ü   صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم البخاري، مؤسسة دار زاد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: 1433هـ/ 2012م.

ü   الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجزيري، الطبعة الثانية، 1434هـ/2013م، دار الفجر للتراث، القاهرة.

ü   الدستور المغربي 2011.

ü   مدونة الأسرة المغربية.

ü   أحكام الشريعة الاسلامية في الأحوال الشخصية، عبد الله عمر، دار المعارف، الطبعة الخامسة 1965م.

ü   الزواج في التشريع المغربي، طبقا لمدونة الأحوال الشخصية، للدكتور عبد العزيز الفلالي أمين، الطبعة الثانية لسنة 1969م.

ü   الأسرة والمجتمع في علم اجتماع الأسرة، للدكتور حسين عبد الحميد أحمد رشوان، مؤسسة شباب الجامعة 2014م.

ü   أسس علم الاجتماع، للدكتور عبد الهادي الجوهري.  

ü   مقال مدونة الأسرة المغربية، القانون في زمن التحولات، الرابط الالكتروني:  https://www.megazine.ultrasawt.com

ü   مجلة مدى plus الالكترونية https://www.madaaplus.com/media/6891 :html



[1] مدونة الأسرة المغربية المادة 400.

[2]  مقال مدونة الأسرة المغربية، القانون في زمن التحولات، الرابط الالكتروني:  https :llwww.megazine.ultrasawt.com تاريخ الاقتباس 30/06/2025 على الساعة 13:48.

[3]  الزواج في التشريع المغربي، طبقا لمدونة الأحوال الشخصية، للدكتور عبد العزيز الفلالي أمين الطبعة الثانية لسنة 1969م – بتصرف – الصفحة 3.

[4]  الصحاح تاج وصحاح العربية، اسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين، لبنان، الطبعة الثانية، بدون سنة النشر، الجزء الثاني، الصفحة 579.

[5]  الأسرة والمجتمع في علم اجتماع الأسرة، للدكتور حسين عبد الحميد أحمد رشوان، مؤسسة شباب الجامعة 2014م الصفحة 24.

[6]  أسس علم الاجتماع، للدكتور عبد الهادي الجوهري، الصفحة 207.

[7]  الأسرة والمجتمع دراسة في علم اجتماع الأسرة، د: حسين عبد الحميد أحمد رشوان، (المصدر السابق)، الصفحة 47.

[8]  الدستور المغربي 2011، الفصل 32، وأيضا المادة 169 منه.

[9]  سورة ابراهيم الآية: (24).

[10]  معجم الغني الزاهد، د: عبد الغني أبو العزم، مؤسسة الغني للنشر، مطابع دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى 2013م حرف الثاء المجلد 1 الصفحة 1121 – 1122.

[11]  معجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – جمهورية مصر العربية. طبعة منقحة 1433هـ. 2016م مكتبة الشروق الدولية (غ-ي-ر) الصفحة 494.

[12]  مدونة الأسرة المغربية، المادة 400.

[13]  سورة النساء، الآية: (7).

[14]  سورة النساء، الآية: (8).

[15]  سورة النساء، الآية: (11).

[16]  فتح الباري،كتاب الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك مالا فلأهله، الجزء 8 رقم الحديث: 6731.

[17]  صحيح مسلم، كتاب الفرائض باب من ترك مالا فلورثته، الجزء: 3 رقم الحديث: 15.

[18]  صحيح البخاري 24746، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، الجزء: 8 رقم الحديث: 6732.

[19] سورة النساء، الآية: (1).

[20]  مدونةالأسرة، الكتاب الأول، القسم الأول – الخطبة والزواج – المادة 4.

[21]  سورة النجم، الآية: (45).

[22]  سورة الروم، الآية: (21).

[23] مدونة الأسرة، القسم الثاني، الأهلية والولاية والصداق ، المادة (19)، (المرجع السابق).

[24] مدونة الأسرة المادة (20)، (المرجع السابق).

[25] مجلة مدى plus الالكترونية https :llwww.madaaplus.comlmedial6891 :html نشر في 11 فبراير 2026م الساعة 12 و01 دقيقة، تاريخ الاقتباس 30/05/2026 الساعة 13 و24 دقيقة.

[26] أحكام الشريعة الاسلامية في الأحوال الشخصية، عبد الله عمر، دار المعارف، الطبعة الخامسة 1965م، الصفحة 553.

[27] مدونة الأسرة، قسم الحضانة، الباب الأول، أحكام عامة، المادة 163، (المرجع السابق).

[28] الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجزيري، الطبعة الثانية، 1434هـ/2013م، دار الفجر للتراث، القاهرة، مباحث: الحضانة المجلد الرابع، الصفحة 534.

[29] مدونة الأسرة، الباب الثاني، مستحقو الحضانة وترتيبهم، المادة:171 (المرجع السابق).

أحدث أقدم