-->

إشكالية الملاحقة الجنائية لرؤساء الدول بين الاتهامات الأمريكية ومبادئ القانون الدولي "نيكولاس مادورو نموذجا"

إشكالية الملاحقة الجنائية لرؤساء الدول بين الاتهامات الأمريكية ومبادئ القانون الدولي "نيكولاس مادورو نموذجا"، د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية، المدرسة العليا للتكنولوجيا، جامعة محمد الأول، بوجدة، المملكة المغربية.

د. محمد بوبوش
أستاذ العلاقات الدولية، المدرسة العليا للتكنولوجيا،
جامعة محمد الأول، بوجدة، المملكة المغربية.


يُمثل يوم 3 يناير 2026 نقطة تحول حاسمة في تاريخ العلاقات بين الأمريكتين وسياسة الولايات المتحدة الخارجية. عملية عسكرية بدقة وكفاءة مثاليتين سمحت، خلال الليل، باعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس على يد القوات الخاصة الأمريكية، مدعومة بضربات جوية واسعة النطاق تستهدف كاراكاس ومواقع استراتيجية أخرى. تم نقل الزوجين فوراً إلى نيويورك لمواجهة العدالة الفيدرالية بتهم خطيرة بالإرهاب المخدراتي، وتآمر لاستيراد الكوكايين، وقيادة كارتل دي لوس سوليس – تهم مطروحة منذ عام 2020 وتعززت في عام 2026 من قبل محكمة المنطقة الجنوبية في نيويورك.

تثير عملية -توافق الاعتقال العسكرية الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في 3 يناير 2026 مع أحكام القانون الدولي-إشكالات قانونية نظرا لطبيعتها المعقدة. يهدف المقال إلى تكييف عملية الاعتقال بالاستناد الى المبادئ الأساسية للقانون الدولي، مثل ميثاق الأمم المتحدة، وسوابق محكمة العدل الدولية مع التركيز على الجوانب القانونية دون الخوض في الجوانب السياسية أو الأخلاقية.

أولا: التوصيف الجنائي للاتهامات من منظور الادعاء العام الأمريكي

استناداً إلى لائحة الاتهام الصادرة عن مكتب الادعاء العام للمنطقة الجنوبية من نيويورك ($SDNY$)، يُتهم مادورو بقيادة منظمة إجرامية مؤسسية تُعرف بـ "كارتل الشمس"، حيث يشمل التكييف القانوني ما يلي:

1.                الإرهاب المرتبط بالمخدرات ( (Narco-Terrorism): منذ عام 2019، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية "نزع الأهلية السياسية" عن نيكولاس مادورو، متجاوزةً التوصيف التقليدي له كخصم سياسي لتضعه في قمة هيكل تنظيمي مرتبط بـ "الإرهاب المرتبط بالمخدرات" (Narco-terrorism). إن رصد المكافآت المالية الموجهة ضد رأس الهرم السياسي، وتكريس خطاب "الكارتل"، وتصدير سردية فنزويلا بوصفها "تهديداً عابراً للحدود الوطنية"، يسهم في تشكيل نمط جديد من الشرعية التدخلية يختلف جوهرياً عن مسوغات الحروب التقليدية بين الدول السيادية. هناك مزاعم بأن المتهم استغل سلطاته السيادية لتسهيل عمليات تهريب الكوكايين بالتعاون مع تنظيمات مصنفة إرهابية مثل "جماعة فارك ( FARC)  وكارتلات دولية (سينالوا وزيتاس)، بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي وتحقيق مكاسب سياسية.

2.        الفساد الممنهج والإثراء غير المشروع: تشير اللائحة إلى أن مادورو، بصفته الحاكم الفعلي، سمح بتحويل أجهزة الدولة إلى أدوات لخدمة تجارة المخدرات، مما أدى إلى تحقيق عوائد مالية غير مشروعة له ولأفراد عائلته وللدائرة الضيقة في نظامه.

3.        الجرائم المرتبطة بالأسلحة: تشمل التهم حيازة وتآمر لحيازة أسلحة حربية وأجهزة تفجيرية لتأمين حماية القوافل الإجرامية، وهي تهم قد تصل عقوبتها في القانون الاتحادي إلى السجن المؤبد.

  الولايات المتحدة نحو تجاوز الأطر القانونية الدولية والقواعد المنظمة لسيادة الدول، عبر تبني استراتيجية تهدف إلى التغيير القسري لنظام سياسي يُصنف ضمن خصومها.

  تعمد واشنطن إلى "تجريد النظام من سيادته" قانونياً عبر تصنيفه ككيان مرتبط بالإرهاب وتجارة المخدرات. هنا، يتحول التدخل في العرف الأمريكي من "غزو لدولة" إلى "عملية إنفاذ قانون دولية"، مما يجعل القانون الدولي أداة تابعة للقوة العملاقة .

ثانيا: الموانع القانونية والحصانة السيادية (منظور القانون الدولي)

رغم جسامة الاتهامات، يواجه المسار القضائي الأمريكي تحديات جوهرية تتعلق بقواعد القانون الدولي العرفي واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 .

1.        حصانة رؤساء الدول والاعتقال عبر الحدود

  بموجب السوابق القضائية الدولية، ولا سيما حكم محكمة العدل الدولية في قضية "مذكرة التوقيف" (2000)، يتمتع رؤساء الدول بحصانة مطلقة من الولاية القضائية الجنائية للدول الأجنبية طوال فترة ولايتهم، ولا يُعتد بطبيعة الجرائم المنسوبة إليهم لرفع هذه الحصانة أمام المحاكم الوطنية.

وحسب اتفاقية فيينا حول العلاقات الدبلوماسية (1961) والقانون الدولي العرفي، يتمتع رؤساء الدول بحصانة شخصية مطلقة أثناء توليهم المنصب، تحميهم من الاعتقال أو المحاكمة في دول أخرى، حتى في حالات جرائم دولية خطيرة. هذه الحصانة تُفقد فقط بعد ترك المنصب أو بقرار من محكمة دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC). ويمكن الإشارة باقتضاب إلى المبادئ التي أرستها محكمة العدل الدولية بخصوص حصانة رؤساء الدول والمسؤولين، وتطبق على الحالة الراهنة فيما يلي:

·            عدم وجود استثناء للجرائم الدولية: شددت المحكمة على أن الحصانة الشخصية تظل قائمة حتى في حالة الاتهام بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الوطنية؛ إذ لا يفرق القانون الدولي العرفي بين الأفعال "الرسمية" و"الخاصة" طالما أن المسؤول في منصبه.

·            الفصل بين الحصانة والإفلات من العقاب: أوضحت المحكمة أن الحصانة لا تعني الإعفاء من المسؤولية الجنائية ($Impunité$)، بل هي عائق إجرائي مؤقت أمام المحاكم الوطنية الأجنبية. فالمقاضاة تظل ممكنة أمام محاكم الدولة الأصلية، أو بعد ترك المنصب، أو أمام جهة قضائية دولية مختصة.

2.        إشكالية الولاية القضائية وبطلان الإجراءات أحادية الجانب: يُعتبر سعي الولايات المتحدة لمحاكمة رئيس في سدة الحكم تجاوزاً لمبدأ "المساواة في السيادة" المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. فالقانون الدولي لا يمنح الدول سلطة "بوليسية عالمية" تتيح لها اختطاف أو نقل رؤساء دول أخرى قسراً لمحاكمتهم، وهو ما وصفه بعض الخبراء بـ "الاستيلاء غير المشروع" قياساً على سابقة "نورييغا" في بنما.

إذن، يعد نقل الرئيس مادورو إلى نيويورك لمحاكمته أمام محكمة فديرالية أمريكية انتهاكاً لهذه الحصانة، إذ لا تملك الولايات المتحدة صلاحية قضائية خارجية على رئيس دولة أخرى دون اتفاق دولي. قانونيا يوصف هذا بأنه "إرهاب دولة" أو "استيلاء غير قانوني"، مما يعيد إلى الأذهان قضايا مثل اعتقال نورييغا في بنما عام 1980، التي أدينت دولياً رغم نجاحها عملياً.

بناءً على ما تقدم، فإن أي إجراء قسري أمريكي ضد "مادورو" لن يُنظر إليه قانونياً كإجراء لإنفاذ العدالة، بل كفعل مادي يفتقر إلى الشرعية الدولية. وبالمقارنة مع قضية "نورييغا"، فإن تكرار هذا النموذج في العصر الحالي يواجه تحديات قانونية أشد، نظراً لتبلور قواعد القانون الدولي التي تمنع الدول من تنصيب نفسها "شرطياً عالمياً" يتجاوز الحصانات السيادية للدول الأخرى.

ثالثا: حماية السيادة الوطنية ...معضلة القانون الدولي

تعرضت   السيادة في العصر الحديث لانتقادات جوهرية وهجرها الكثير على اعتبار أنها لا تتفق مع الظروف الحالية للمجتمع الدولي، والواقع أن نظرية السيادة أسيء استخدامها لتبرير الاستبداد الداخلي والفوضى الدولية. ولقد أدت هذه النظرية إلى إعاقة تطور القانون الدولي، والى عرقلة عمل المنظمات الدولية والى تسلط الدول القوية على الدول الضعيفة.

 1.المبدأ الأساسي: حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية

ميثاق الأمم المتحدة، في المادة 2، الفقرة (4)، يحظر على الدول استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أو استقلال سياسي لأي دولة أخرى. هذا المبدأ يُعتبر أحد أركان القانون الدولي المعاصر، ويُعرف بـ"jus cogens" (قواعد آمرة لا يجوز التنازل عنها). في حالة العملية الأمريكية، التي شملت ضربات جوية ليلة السبت 03 يناير 2026  على كاراكاس ومواقع استراتيجية أخرى، ثم اقتحاماً عسكرياً لاعتقال رئيس دولة سيادية، يُنظر إليها كانتهاك مباشر لهذا المبدأ، إذ لم يكن هناك تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي هو الجهة الوحيدة المخولة بتفويض استخدام القوة في مثل هذه الحالات (الفصل السابع من الميثاق). كما أن هذه العملية تُشبه التدخلات التاريخية غير القانونية، مثل غزو بنما عام 1989، الذي أدين دولياً رغم تبريراته.

. 2الاستثناءات الممكنة: الدفاع الشرعي أو حالة "الضرورة" و"المصالح الحيوية"

  اعتادت الدول التي تلجأ إلى استعمال العنف في وقت السلم إلى إضفاء طابع المشروعية على أعمالها ارتكازا على الاستثناءات الواردة في مبدأ تحريم القوة في العلاقات الدولية، وبخاصة حالة الدفاع الشرعي الفردي والجماعي. بيد أنه إلى جانب هذه التبريرات، تعمد الدول للاستناد إلى الظروف والملابسة وخطورة المواقع وإلى الملابسات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.

وهكذا يبدو من العسير التفريق بين الإعلان عن النوايا وبين الأهداف المرسومة، علاوة على الاعتبارات السياسية الخارجية والسياسية القانونية الخارجية التي تنهجها الدولة والتي تتقدم غالبا على التطبيق البحت للقاعدة القانونية المجردة. فالدفاع الوقائي لا يفترض في حالة الاعتداءات القائمة والأضرار الحاصلة وإنما على العكس من ذلك يستهدف منع الاعتداءات والأضرار التي يحتمل وقوعها مستقبلا.

وإلى جانب نظرية الدفاع الشرعي الوقائي تحاول بعض الدول العودة لمفاهيم القانون الدولي التقليدي التي عفا عنها الزمن كمفهوم حالة الضرورة كظرف مسقط لمسؤولية الدولة المتدخلة، ومفهوم المصالح الحيوية. الاستثناء الرئيسي لحظر استخدام القوة هو حق الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة 51 من الميثاق الأممي، والذي يتطلب هجوماً مسلحاً فعلياً أو وشيكاً ضد الدولة المعتدية.

في هذه الحالة، الولايات المتحدة لم تتعرض لهجوم مسلح من فنزويلا، وتهم " الإرهاب المرتبط بالاتجار بالمخدرات (Narco-terrorism)—  " وتجارة المخدرات، رغم خطورتها، لا تُعتبر هجوماً مسلحاً يبرر التدخل العسكري. فحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، علق عليها أحد أعضاء لجنة القانون الدولي بأنها ليست رحب تستوجب ردا عسكريا لايمكن التسليم بأي ادعاء دفاع ذاتي هنا، حيث أن التهم الجنائية يجب أن تُعالج عبر آليات قضائية دولية مثل (الانتربول، المحكمة الجنائية الدولية أو اتفاقيات التعاون القضائي)، لا عبر عمليات عسكرية أحادية الجانب. بالإضافة إلى ذلك، مفهوم "الضرورة" أو "الحالة الطارئة" في القانون الدولي (كما في اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات) لا ينطبق هنا، لأن الاعتقال لم يكن ضرورياً لمنع كارثة فورية.

. 3مبدأ عدم التدخل (المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة):  تقدس هذه المادة السيادة الوطنية، وهو المبدأ الذي تستند إليه فنزويلا وحلفاؤها لاعتبار الضربات "عدواناً غير شرعي" يفتقر لتفويض من مجلس الأمن.

تاريخيا، أثناء تدخل واشنطن في غرينادا وبنما، أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة التدخل واعتبرته خرقاً للميثاق الأممي. ومع ذلك، فرضت الولايات المتحدة سياسة "الأمر الواقع". في حالة فنزويلا، تكرر واشنطن هذه الممارسة عبر فرض "شرعية بديلة" من منظورها؛ فإذا كان النظام "غير شرعي بصورة تعريفية"، فإن السيادة تسقط عنه تلقائياً في العرف الأمريكي.

ختاما يمكن القول، أن عملية الاعتقال غير متوافقة مع القانون الدولي، إذ تمثل انتهاكاً صارخاً لحظر استخدام القوة، عدم احترام السيادة الدولية، وحصانة رؤساء الدول. وعلى افتراض أن التهم الجنائية ضد مادورو  مشروعة في حد ذاتها، لكن طريقة التعامل معها يجب أن تكون عبر آليات دولية مشروعة، لا عبر عمليات عسكرية أحادية.

أحدث أقدم