د. محمد بوبوش
أستاذ العلاقات الدولية
المدرسة العليا للتكنولوجيا
جامعة محمد الأول، وجدة
من بين الآثار الإقليمية الأوسع
نطاقاً التي كان من المفترض أن يفرزها وقف إطلاق النار في غزة (أكتوبر 2025)، هو
إرساء تهدئة جديدة واستقرار الملاحة في
البحر الأحمر، وربما في اليمن أيضاً. وبالفعل، ونتيجة لهذه الهدنة، أوقفت جماعة
أنصار الله الحوثي – التي
تسيطر على شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، والمتحالفة مع حماس وإيران –
هجماتهم على الشحن التجاري في البحر الأحمر وضد إسرائيل. كما بدا أن اتفاقاً
سابقاً توسطت فيه سلطنة عمان بين الحوثيين والحكومة الأمريكية قد نجح في خفض
التهديد الحوثي المباشر للأصول الأمريكية في ممر الشحن الدولي.
أما داخل اليمن، فقد كانت الهدنة
الهشة المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف في الحرب الأهلية بين الحوثيين والحكومة
المعترف بها دولياً لا تزال قائمة. ورغم أن الحوثيين لم يُهزموا، إلا أن المسؤولين
الأمريكيين بدا وكأنهم يعتقدون أن الأوضاع في البلاد قد هدأت، وأنه بإمكانهم توجيه
اهتمامهم إلى أماكن أخرى.
وقد شهدت الخارطة الجيوسياسية لليمن
تحولاً زلزالياً في الرابع من ديسمبر 2025، مع إعلان قوات المجلس الانتقالي
الجنوبي بسط سيطرتها المطلقة على محافظة حضرموت. ولم تكن هذه
السيطرة مجرد تمدد عسكري، بل كانت ضربة استراتيجية خاطفة إن إجبار مؤسسات
الحكم المركزية على مغادرة العاصمة المؤقتة لا يُعد مجرد إخلاء لمقر إداري، بل هو إنهاء
رمزي ومادي للحضور المؤسساتي للشرعية في الجنوب. وقد تعزز هذا المسار ببدء
عملية عسكرية موسعة في محافظة أبين استهدفت تصفية الجيوب العسكرية الموالية
للمركز، مما يكرس استراتيجية فرض الأمر الواقع والانتقال من الشراكة
السياسية إلى الانفراد بالسيطرة الجغرافية."
أولا: مأسسة "الأمر
الواقع": الانتقال من الشراكة السياسية إلى السيطرة الجغرافية والمؤسساتية
للمجلس الانتقالي
1. الطموحات الانفصالية للمجلس الانتقالي:
على مدى السنوات التالية، عمل المجلس على تعزيز وجوده العسكري
والسياسي في الجنوب، من خلال السيطرة على معظم المحافظات الجنوبية والشرقية، وبناء
مؤسسات موازية، وتوسيع قاعدته الشعبية. ومع ذلك، ظل يتحرك بحذرٍ سياسي، مدركاً أن
تحقيق هذا الهدف يتطلب توافر ظروفٍ إقليمية ودولية مؤاتية، وتوازن قوى يسمح بفرض
الأمر الواقع دون مواجهةٍ عسكرية شاملة أو رفضٍ دولي قاطع. لذا، بقي المجلس ينتظر
اللحظة السياسية المناسبة التي قد تتيحها تطورات الحرب، أو تغيّرات في المواقف
الإقليمية، أو ضعف الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، ليعلن بشكلٍ رسمي أو عملي
خطوته نحو استعادة الدولة الجنوبية المستقلة، مستنداً إلى شعار «استعادة الدولة»
الذي يُعدّ اليوم الركيزة الأيديولوجية الأساسية لحركته.
وقد
أدى توسعه الجريء إلى إثارة توترات جديدة مع الجارة في الشمال وهي المملكة
العربية السعودية، التي تدعم فصائل منافسة داخل الحكومة وتعتبر هذه السيطرة
تهديداً محتملاً لأمنها القومي. والأكثر إثارة للقلق هو أن هجوم المجلس الانتقالي
من المرجح أن يوفر ذريعة لتحركات أوسع من قبل الحوثيين.
بعد أقل من شهرين، بدأ هذا الهدوء النسبي
يتلاشى؛ ففي أوائل ديسمبر2025، شن الانفصاليون في جنوب اليمن حملة
كبرى للسيطرة على أجزاء واسعة من حضرموت (وهي منطقة منتجة للنفط تقع على
الحدود مع السعودية) والمهرة (المحافظة الحدودية مع عُمان). إن هذا الهجوم
الذي شنه المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) – وهو
فصيل يشكل جزءاً من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لكنه يطالب باستقلال
الجنوب – يمثل تحولاً زلزالياً في ميزان القوى في البلاد.
فنحن هنا أمام حالة "انفصال من الداخل".
2.السيطرة على
الموارد السيادية والمنافذ الدولية كركيزة لبناء الدولة
إن المطالب الفئوية من أجل السيطرة
على الموارد الطبيعية تعتبر نقطة حرجة في الصراعات العرقية و السياسية، و الانفصال
في اليمن ليس مجرد قضية هوية جنوبية، بل هو "انفصال
جيواقتصادي لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، فقد تركز الهجوم
الذي شنه المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) على حضرموت
والمهرة ". السيطرة على حضرموت تعني السيطرة على النفط،
والسيطرة على المهرة تعني التحكم في الحدود الدولية مع سلطنة (عُمان).
بناءً
على هذا، يتحول الانفصال من حركة سياسية إلى مشروع لبناء دولة تمتلك مقومات
البقاء المالي، مما يجعل التراجع عنه أمراً مستحيلاً في الأمد القريب.
إذن المجلس لا يسعى فقط للانفصال الجغرافي، بل يسيطر على "الموارد
السيادية" (حضرموت النفطية) لفرض أمر واقع يجعل من
الوحدة مجرد شعار بروتوكولي، بينما السيادة الفعلية مجزأة.
تأسيس المجلس الانتقالي كياناً
انفصاليا في الجنوب سيؤدي إلى تغييرات في التوازن الإقليمي والجيوسياسي تؤثر ليس
فقط على السعودية والإمارات والحوثيين، بل تمتد أيضًا إلى إسرائيل. السيطرة على
السواحل الاستراتيجية لليمن ودعم أبو ظبي للمناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون في
عدن والمكلا ووجودها في جزيرة سقطرى سيمكنها من مراقبة طرق التجارة العالمية
الأساسية لإسرائيل، مثل مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وطرق الوصول إلى قناة
السويس. لا يمكن فصل هذه التطورات عن صراع النفوذ الإقليمي والاضطرابات الكبرى
التي تشهدها المنطقة، فيما يشير إلى زيادة مشاريع الانفصال وتأسيس كيانات موازية
في السودان وليبيا وسوريا والجزائر، بالإضافة إلى صعود القوة الإسرائيلية وتزامن
مشاريعها التي تتعلق بعمليات الإبادة والتطهير العرقي للفلسطينيين مع دعاوى قادتها
بشأن "إعادة تشكيل الشرق الأوسط".
3.الارتباطات
العابرة للحدود: أثر الدعم الإماراتي والتنافس السعودي في تشكيل ملامح الكيان
الجنوبي:
لم يُخفِ المجلس الانتقالي الجنوبي، منذ تأسيسه
في ماي 2017، ميله الواضح والصريح نحو استعادة دولة اليمن الجنوبي المستقلة، تلك
الدولة التي كانت قائمة تحت اسم «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» قبل أن تندمج
مع الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) في وحدةٍ أُعلنت في 22 ماي 1990،
وسُمّيت حينها «جمهورية اليمن» .
ما يزيد الأمر
تعقيداً، أن المجلس الانتقالي الجنوبي يحظى بدعم قوي من دولة الإمارات العربية
المتحدة، حيث قام بدعم مباشر من الأخيرة ببناء قوة عسكرية وأمنية، إضافةً إلى
مؤسسات دولة أصبحت شبه جاهزة، بينما ظل محتفظًا بوجوده ضمن مؤسسات الدولة الشرعية.
وحتى مع تتالي فصول حملة المجلس
الانتقالي الجنوبي، تعهد الحوثيون بتوسيع نطاق سيطرتهم لتشمل مناطق إنتاج النفط
والغاز في شرق البلاد. وبمساعدة إيران ودول أخرى، عمل الحوثيون بلا كلل لتوسيع
ترسانتهم من الأسلحة التقليدية المتطورة؛ كما كثفوا الإنتاج المحلي للأسلحة، وأصبح
لديهم القدرة على تجميع الصواريخ البالستية وتصنيع طائرات بدون طيار قصيرة المدى
بشكل مستقل. علاوة على ذلك، لا تزال تحركات الجماعة وخطابها يؤكدان رغبتها في
السيطرة على اليمن بأكمله والاستمرار في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة
والسعودية والإمارات. وإذا ما تعثر وقف إطلاق النار في غزة، فإن الحوثيين مستعدون
لاستئناف هجماتهم في البحر الأحمر، وبعد أن رأوا مدى فاعلية تلك الحملة، فقد
يستأنفونها لأسباب أخرى في المستقبل.
ثانيا: المقاربة البراغماتية لإدارة
"ترامب" 2025:
استراتيجية "التجاهل" والاعتراف الضمني
في السياسة الدولية، "التجاهل"
هو نوع من الاعتراف بالواقع الجديد. عندما تنسحب الولايات المتحدة من القيادة
الدبلوماسية، فهي تسمح للقوى المحلية (الانفصالية والميليشاوية) بترسيخ حدودها.
هذا يرسل إشارة بأن "الوحدة" لم تعد أولوية دولية، مما يشجع الحركات
الانفصالية على المضي قدماً.
إن الولايات المتحدة تتجاهل
الشأن اليمني على مسؤوليتها الخاصة؛ فحتى الآن، اقتصرت إدارة ترامب على فرض
عقوبات على الحوثيين، وحماية الهدنة الثنائية مع الجماعة، والرهان على أن إسرائيل
والشركاء الخليجيين سيتولون حل أي قضايا أخرى بأنفسهم. كما انسحبت الإدارة إلى حد
كبير من دعم الحكومة اليمنية وتقديم القيادة الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية.
من خلال توجهات الإدارة الأمريكية
الحالية، يمكن استشراف رد البيت الأبيض في ثلاثة مستويات:
. 1سياسة "عدم الانخراط المباشر"
(Disengagement) : من المتوقع أن الرد
الأمريكي لن يكون تدخلاً عسكرياً لمنع
الانفصال أو لدعمه، بل هو رد فعل براغماتي. سيهتم
الأمريكيون بـ "النتيجة" لا "الشكل"؛ بتعبير آخر: مَن يسيطر
على الأرض ويضمن عدم تهديد الملاحة الدولية في خليج عدن؟
. 2الأولوية للأمن
القومي ومواجهة الحوثيين: الرد الأمريكي محكوم بهاجس واحد: إضعاف
الحوثي.
إذا رأت واشنطن أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى خنق الحوثيين اقتصادياً
(عبر حرمانهم من موارد النفط في الشرق) ومنع تمددهم، فقد تغض الطرف عن المشروع
الانفصالي وتتعامل معه كأمر واقع، شريطة ضمان أمن الممرات المائية. سيوجه الرد
الأمريكي رسالة حازمة للمجلس الانتقالي بضرورة ضمان سلامة المنشآت النفطية (خاصة
التي تعمل بها شركات دولية) واستمرار تدفق الإمدادات. واشنطن ستتعامل ببرود مع
"هوية المسيطر" مقابل حرصها على "استقرار المورد".
". 3تفويض"
الملف للشركاء الإقليميين: ، تأمل الإدارة الأمريكية أن يقوم
"الشركاء في الخليج بتسوية القضايا بأنفسهم". الرد الأمريكي سيكون دفع
السعودية والإمارات للتوصل إلى "صيغة تقاسم نفوذ" تضمن الاستقرار.
واشنطن لن تعارض الانفصال طالما أنه لا يؤدي إلى فوضى شاملة يستفيد منها تنظيم
القاعدة أو إيران.
ثالثا: نجاح المشروع الانفصالي: بين ثنائية
السيطرة الميدانية وتحديات الاعتراف القانوني الدولي
نجاح أي مشروع انفصالي يعتمد على
ثلاثة أركان: السيطرة على الأرض، الموارد المالية، والاعتراف
الدولي.
في حالة جنوب اليمن، يظهر المشهد كالتالي:
1.السيطرة على الموارد (مفتاح النجاح) : يسيطر
المجلس الانتقالي حالياً على 90-95% من المناطق المأهولة في جنوب اليمن، بما في
ذلك حقول النفط في حضرموت والساحل الجنوبي، تحرك
المجلس الانتقالي نحو حضرموت والمهرة بدون السيطرة
على منابع النفط والغاز في الشرق، سيظل "جنوب اليمن" كياناً فقيراً
عاجزاً عن التحول إلى دولة. لذلك فإن قدرته على تحقيق هذا الطموح يعتمد بالأساس على
القدرة على إخراج القوات التابعة للحكومة المركزية من هذه المناطق دون الدخول في
حرب استنزاف طويلة.
2.التوافق الإقليمي: نجاح الانفصال
في اليمن ليس قراراً محلياً أو شأنا داخليا صرفاً ، بل هو مرتبط بتوافقات خارجية
وبالتنافس السعودي الإماراتي. فإذا لم يحصل توافق بين الرياض وأبو ظبي على
"شكل" الجنوب، فإن المشروع قد يواجه عوائق لوجستية وسياسية كبرى، فالرياض
تستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري، وتحثّ المجلس على سحب قواته من حضرموت والمهرة،
في ظل تأكيد الرياض المستمرّ لرفضها أي محاولاتٍ لفرض أمر واقع بالقوة، أو إدخال
حضرموت في دوّامة صراعات جديدة، ومن غير المستبعد أن تدعم السعودية فصائل محلية
(مجلس حضرموت الوطني مثلاً) لعرقلة الانفراد بالسيطرة.
3.الشرعية مقابل الأمر الواقع: الميدان
يشير إلى نجاح "الأمر الواقع" (De Facto)، لكن دولياً، فالاعتراف الدولي بالاستقلال سيكون صعبا
بسبب اتفاق الرياض 2019 الذي يحد من سيطرته العسكرية، يدعم
بعض الوزراء الحكوميين تحركاته لكنهم يرفضون الانفصال صراحة، كما أنه لا تزال
الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى تعترف بالوحدة. الانفصال قد ينجح
عسكرياً وإدارياً، لكنه قد يظل "كياناً معزولاً" لفترة طويلة قبل نيل
الاعتراف القانوني.
رابعا: السيناريوهات المحتملة
لانفصال جنوب اليمن
بناءً على التحليلات الدولية
الحديثة، تشير السيناريوهات المحتملة لانفصال جنوب اليمن إلى أربعة مسارات رئيسية.
هذه المسارات تتأثر بالتقدم العسكري السريع الذي حققه المجلس الانتقالي الجنوبي (Southern
Transitional Council - STC) في ديسمبر 2025. المجلس سيطر على
معظم المحافظات الجنوبية والشرقية الثماني (عدن، لحج، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة،
سقطرى، والضالع). هذا يعكس انقساماً متعمقاً في اليمن. جميع هذه السيناريوهات تدل
على تراجع الوحدة اليمنية التقليدية التي أُعلنت في 22 مايو 1990. وهناك اختلافات
جوهرية في الآليات السياسية والعسكرية والتداعيات الإقليمية والدولية.
. 1التسوية الشاملة المدعومة دولياً
هذا السيناريو هو الأكثر تفضيلاً من
منظور القانون الدولي. يؤدي اتفاق شامل برعاية الأمم المتحدة والقوى الإقليمية
الرئيسية (مثل السعودية والإمارات) إلى اعتراف رسمي باستقلال الجنوب. يتم ذلك
بمصاحبة استفتاء شعبي على تقرير المصير وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. يعزز
هذا المسار السيطرة الفعلية للمجلس الانتقالي على المحافظات الغنية بالنفط. هذا
يشمل حضرموت، التي تحتوي على نحو 80% من احتياطيات اليمن النفطية. بالإضافة إلى
ذلك، يلقى هذا المسار دعماً إماراتياً لفكرة استعادة دولة جنوبية مستقلة. ومع ذلك،
يواجه معارضة قوية من السعودية، إذ ترى الرياض في الوحدة اليمنية ضمانة أمنية أمام
نفوذ الحوثيين المدعومين إيرانياً. هذا قد يعيق الاعتراف الدولي السريع ويؤدي إلى
تأجيل التنفيذ رغم الضغوط الشعبية الجنوبية المتزايدة.
. 2التقسيم المتفق عليه سياسياً
يشكل هذا المسار السيناريو الأكثر
واقعية في المدى المتوسط من شأنه أن يؤدي إلى تقسيم اليمن إلى كيان شمالي تحت
سيطرة الحوثيين وكيان جنوبي يهيمن عليه المجلس الانتقالي. قد تأخذ التسوية
السياسية شكل اتحاد فضفاض أو نظام فيدرالي يعيد ترتيبات ما قبل الوحدة لعام 1990.
يدعم هذا الخيار الانسحاب السعودي التدريجي من عدن والمناطق الجنوبية. كما يتوسع
المجلس الانتقالي في حضرموت وشبوة والمهرة، مما يعكس توازناً جديداً في القوى. ومع
ذلك، يتطلب نجاحه تنازلات كبيرة من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً (مجلس
القيادة الرئاسي، التي
أصبحت رمزية بعد مغادرة قيادتها عدن نحو الرياض في ديسمبر 2025. إذا نجحت
المفاوضات المعدلة في الرياض أو تحت رعاية عمانية، فقد يؤدي ذلك إلى استقرار نسبي.
لكنه يحمل مخاطر تعميق التنافس الإقليمي بين الإمارات (الداعمة للانفصال)
والسعودية (المفضلة للوحدة).
. 3استمرار الانقسام الفعلي دون إعلان
رسمي
يمثل هذا السيناريو الوضع الراهن
الأكثر احتمالاً في المدى القصير. يستمر الانقسام الفعلي دون إعلان استقلال جنوبي رسمي، مع وجود هدنة هشة
تحافظ على سيطرة المجلس الانتقالي على نحو 90% من الأراضي الجنوبية المأهولة
والموانئ الرئيسية. في المقابل، يهيمن الحوثيون على الشمال الشعبي. يعمق هذا
المسار التجزئة الاقتصادية (فصل الإيرادات النفطية والموانئ) والأمنية، مع زيادة
الاحتجاجات الشعبية في عدن والمكلا ضد التهميش والفساد. ومع ذلك، يؤجل عدم
الاعتراف الدولي (الذي يؤكد قرارات مجلس الأمن على وحدة اليمن) أي تغيير جذري. يمنح
هذا الحوثيين وقتاً إضافياً لتعزيز سيطرتهم، ويستفيد من الانقسامات داخل التحالف
المعادي لهم، رغم الضغوط الإنسانية المتفاقمة.
. 4التصعيد العسكري نحو حرب شاملة
يُصنف هذا السيناريو كالأقل احتمالاً
حالياً، نظراً للإرهاق العام من الحرب المستمرة منذ 2014. لكنه يبقى واردا إذا
أعلن المجلس الانتقالي استقلالاً من جانب واحد. هذا الأمر قد يثير مواجهات مباشرة
مع الحكومة الشرعية أو الحوثيين، أو حتى تصعيداً إقليمياً بين الإمارات والسعودية.
يزيد تراجع نفوذ التحالف العربي وغياب جبهة موحدة ضد الحوثيين من مخاطر حرب أهلية
جديدة، مع عواقب إنسانية كارثية، حيث تسببت الحرب بالفعل في مئات الآلاف من
الوفيات غير المباشرة. ومع ذلك، يقلل التركيز الدولي على مواجهة الحوثيين (خاصة
هجماتهم في البحر الأحمر) من احتمالية هذا المسار، إلا إذا استغل أحد الأطراف فرصة
عسكرية مفاجئة.
في الختام، يعكس التقدم العسكري
الأخير للمجلس الانتقالي تحولاً استراتيجياً يعزز من موقفه التفاوضي. لكنه يزيد من
التوترات الإقليمية ويضعف الجبهة الموحدة ضد الحوثيين. هذا قد يؤدي إلى إعادة رسم
خريطة اليمن بشكل دائم نحو تقسيم فعلي أو رسمي، مع الحفاظ على مخاطر التصعيد
الإقليمي والإنساني.
.jpg)